يرى باومغارتن في تعريفه للجمال وجماليات الصورة الفنية، إن الجماليات كعلم مازالت جديدة، لذلك يتمتع التفكير الجمالي بقواعد فنية ضرورية. لقد جمع باومغارتن جميع هذه القواعد تحت صياغة علمية محكمة التنظيم وأطلق على هذا العلم اسم “نظريّة العلوم الجميلة”، لكنّ هذه العلوم الجميلة كما يؤسّس لذلك باومغارتن، ليست لها أيّة علاقة بما هو علمي، فالألمان يستعملون عبارة: «فنّ التّفكير بجمال» أيضًا.

إن استعمالنا اليوم لهذه العبارة الألمانية: «فن التفكير بجمال»، يحمل قيما جماليّة ترتبط بفلسفة أرباب الفنون وبميتافيزيقا الجمال وسيميولوجيا الصّورة وبالتّالي، تثير فكرة جمال الصّورة الفنيّة لدى الفنّان أحمد جمال عيد في مدوّنة معارضه التي أقيمت سابقًا في الجزائر والأقصر والقاهرة، والعديد من الأماكن الأخرى، صعوبات جمّة تضع القارئ المتبصّر من جهة أولى، أمام بناء تصوّري وتمثّلي وفنّي وجمالي وتاريخي وأركيولوجي لصورة الحياة اليوميّة المصريّة.

يعتمد الفنان وسائط متعدّدة نذكر أهمها: الصّور الفوتوغرافيّة، من الوسيط الرقمي إلى المحيط المطبوع ومجال الديجيتال آرت، ومن جهة ثانية، يكاد بهذا التعدد الوسائطي الرّقمي ينحصر في العلوم التقنيّة الصّارمة أو العلوم الرّقميّة البالغة التّعقيد، رغم حضور الذات الإنسانية في أعماله، لا سيما تواجد صورة المرأة المكثّف في ممارسته الفنيّة.

يجد القارئ لجماليّة هذه الصّور المختلفة، أمام مسائل متنوّعة لأنشطة ثريّة ترتبط بالحياة اليوميّة في حلها وترحالها، تتراوح صوره الفنية بين الفنّي والتأريخي عن طريق عملية توثيقية فوتوغرافية لأهم الأحداث العادية المصورة والمرتبطة خاصة بعلاقة المرأة مع محيطها القريب والبعيد.

لقد كانت صورة المرأة المصرية الشريك الفاعل لممارسات الفنان التشكيلية، وهي التي تجلب الخصوبة وتشيّد تاريخيا عراقة أم الدنيا، فالفن حسب الفنان جمال عيد، هو الذي يقدّم لنا عطاء لا محدود من حب الأمومة الخصب، وهو الذي يكشف لنا عن التمثّلات المقدّسة لصورة المرأة المصريّة قديمًا، لذلك ارتبطت صور الفنان بتمجيد رفيع لهذه الذات الإنسانية الرائدة، والذي ينطلق أساسًا من خيال جمال الإدراك الحسّي.

معنى ذلك، أن الفنّان يحاول تصوّر وتمثّل معبودات من النساء، فيتوّج رسوماته بالقيمة المقدّسة الذي أنتجها المخيال العربي والأسطوري للمرأة الفرعونيّة.

أنتج الفنّان صور لتمثّلاته الفنية بروح فنطاسية وتغنّى بريشته ألوان الحياة السندسيّة، وعزف بآلته الفوتوغرافيّة ميتافيزيقا الوجود مع آلهات الحكمة والفنّ الوفاء والإخلاص والحبّ، لم تكن هذه التمثّلات الفنطاسيّة مجرّد صدفة ولكنّها انبثقت من روح الفنّان الإبداعيّة التي تسعى إلى الاهتمام بتطوير مباحثه الجماليّة وتصوّراته الفنيّة والوقوف على مشاكل تقوّمها والسّعي إلى إخراجها بتقنيّات تكنولوجيّة متطوّرة، فإذا اعترف الفنّان للمرأة مشاركتها في الحياة العامّة وإذا كانت المرأة هي التي تعتلي عرش أعمال الفنّان المصري أحمد جمال عيد، فإنّ هذه المواقف الفنيّة تنجلّي من خلالها، الوظيفة المرموقة التي كانت تعتليها المرأة المصريّة قديمًا، فهي الأمّ والملكة والآلهة والجمال.

لم يقف الفنّان ثابتًا عند هذه الحقائق المقدّسة تاريخيًا، بل إن حقل اشتغاله الفنّي لم يفارق حقل تمثّله الثقافي والاجتماعي والسياسي.

لقد حاول الفنّان تأسيس فلسفة خاصّة لتمثّلاته الفنيّة، فاهتمّ بالشّأن اليومي والعقائدي والأسطوري والتراثي، في حياة الإنسان وصوّر سفينة الحياة اليوميّة وحضر المسجد بشموخه وتمثّل الدّيار القديمة ببساطتها ونحت العادات والتقاليد والموروث الثقافي المادي واللاّمادي على جسد المرأة من حليّ وزينة ولباس.

لقد وعى الفنّان بقيمة هذا التراث فجسّد تمثّله من خلال الصّورة اليوميّة للحياة، لذلك تكمن فعاليّة هذا الوعي في الاعتناء بالدّمج النّبيه بين البعد التّقني والبعد النّفسي لشخصيّاته الفنيّة، وهي الطّريقة الفنيّة في الجمال.

كما خصّص الفنّان لهذا المعرض الفنّي مبحثًا فنيًا يهتم فيه بتصميم غلاف الكتب والفنّ الحكواتي وفنّ التّصميم، وما أحوجنا اليوم إلى هذا الفعل الفنّي، لعلّ إحالتنا على الصّور الكاريكاتورية في فنّ الحكايات التي يدمجها الفنّان في ممارسته الفنيّة، توضّح لنا المنطلق النقدي الذي ينتهجه ويبلور لنا تفكيره الفلسفي بصورة بيِّنة.

يكشف هذا الجهد الفنّي روح الفنّان الرّاقية ونظرته المتآلفة مع عامّة الناس والأشياء والأحداث والرّموز، فبمقدور خياله الفنّي أن يتّسع كلّ هذه الحقائق التّاريخيّة في علاقتها باليومي وبمسرح شخصيّاته التي تحملها الكتب المصوّرة، إنّه بالأحرى الوعي بقيمة الحاضر ومدى تآلفه مع الماضي والمستقبل.

إنّها “حقائق الطّبيعة”، ولعلّ هذه الدّلالات القيمية هي التي تحتمل حقائق الطّبيعة البكر بتجليّاتها المنفتحة وحقائق الحضارة الخالدة بثرائها وحقيقة الفعل الفنّي الفاعل بما أنّ الفنّان يرتبط بـ”منتجات الحضارة والآثار التّقنية والفنون الجميلة والعلم”.

لا يمكن للقارئ المتبصّر الذي يهتمّ بممارسات الفنّان المصري أحمد جمال عيد، أن يهمل تعدّد وسائطه الفنيّة أو أن يتناسى إحدى الجوانب في أعماله الفنيّة، إنّ جميع تمثّلاته الفنيّة والجماليّة وجميع لوحاته وتمثّلاته الفكريّة في الصّورة، هي التي تكشف للقارئ اللّغز الجميل للفنّ اليوم.

ولأنّ الغوص في هذه التمثّلات، يشكّل أحد المداخل الأساسية لمباشرة الفنّ المصري اليوم لدى الشباب اليافع والباحث عن الجمال لا في المفاهيم المجرّدة، ولكن من خلال علاقة مفهوم الجمال بالأنا والآخر والعالم، إنّه المفهوم التّطبيقي والإجرائي للجمال الفنّي وإنّه الواقع المستشكل الذي يطرح اليوم، كإمكانيّة ممارسة فنيّة حرّة وفاعلة.

دكتورة وصال بنت يوسف العش، أستاذة بالجامعة التونسيّة، اختصاص: الجماليّات وفلسفة الصُّورة.