وثائقي قصير| أبو الحجاج الأقصري “طقوس متوارثة .. وانصهار بين الحضارات”

وثائقي قصير| أبو الحجاج الأقصري “طقوس متوارثة .. وانصهار بين الحضارات” جانب من دورة أبو الحجاج
تصوير _ محمد راشد:

بين سريات ملونة وأجواء تكسوها البهجة، وإنشاد ديني تعلو به الحناجر، تحتفل محافظة الأقصر بمولد أبو الحجاج الأقصري، أحد أهم أقطاب الصوفية في مصر، ورغم مرور السنين لم يتخلف أحمد شمس الدين الحجاجي، عامًا واحدًا عن إحياء مولد جده الأكبر، فتجده سنويًا يمكث في المسجد خلال فترة المولد يتابع تجهيزات الاحتفال بالمولد، الذي يستمر على مدار 7 أيام مع أفراد عائلته.

أبو الحجاج الأقصري

العارف بالله القطب الكبير والصوفي الجليل، أبوالحجاج الأقصري، ولد في بغداد أوائل النصف الثاني من القرن السادس الهجري، وأعده والده ليكون واحدا من رجال الدين وعلمائه، فحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم نال قسطا وافرا من الثقافة الدينية.

ترك العراق وذهب إلى مكة وأقام بها لمدة عام، ثم ذهب إلى مصر ودخلها عن طريق شرق الدلتا ونزل المنصورة، وأخذ يتنقل من مدينة لأخرى، ثم رأى في منامه رؤيا تأمره بالرحيل إلى مدينة الأقصر في صعيد مصر فاستقبله أهلها بالترحاب البالغ ولمسوا فيه العلم الغزير، ثم بني مسجدًا فوق أطلال معبد الأقصر يحمل اسمه.

يقول حفيد أبو الحجاج، والأستاذ بكلية الآداب جامعة القاهرة، إن أبو الحجاج رجل عادي كان يعمل قاضي قضاة بغداد، تألم لما يحدث وكره الوظيفة وتركها وغادر بغداد في الوقت الذي كانت بغداد تنتهي فيه من الفساد، فأخذته نفسه إلى التقشف والزهد وترك الوظيفة وخرج سائحًا، كأي صوفي لا بد أن يخرج سياحة، وأخيرًا جاء إلى الأقصر.

ويضيف المؤرخ عبدالجواد عبدالفتاح، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بالأقصر سابقًا، أن أبو الحجاج حينما قام بهداية الناس بعد ضلال حوالي 6 قرون، في وقت كان الناس يرفضون القدوم إلى الأقصر، معتبرين إياها مدينة الأوثان والأصنام، فكانوا إما أن يقيموا في إسنا جنوبًا أو قوص شمالًا، لكن أبوالحجاج أقام في الأقصر وبنى مسجده داخل المعبد.

الدورة “عيد الأوبت”

يذكر رئيس الآثار الإسلامية والقبطية، أن الدورة هي أكثر ما يميز المولد، فدورة أبو الحجاج هي استمرارية لعيد الأوبت، الذي كان يخرج فيه موكب آمون محمولا على الأكتاف من معبد الكرنك إلى معبد الأقصر، يتقدمها أسرة الشيخ أو  الحجاج ومحبيه والآلاف من أهالي الأقصر ومختلف المحافظات المجاورة، وتدور في ميدان الشيخ أبو الحجاج 7 مرات.

ويضيف عبدالمنعم عبد العظيم، مدير مركز تراث الصعيد، أن دورة أبو الحجاج الأقصري هي استنساخ لعيد “الأوبت” المصرى القديم، إذ كانوا يخرجون من معبد الكرنك إلى معبد الأقصر بطريق الكباش ويضعون على المراكب تماثيل الإله آمون وزوجته موت وإبنه خونسو، وكانت تسمى تلك الآلهة “الثالوث المقدس”.

وكان يجر المراكب آلاف من الشباب ويطوفون بها شوارع المدينة التاريخية، يتبعها عربات تحمل أصحاب المهن المختلفة، وكل يمارس عمله فوق هذه العربة من النجارين والطحانين وغيرهم، في مشاهد تمثيلية وكرنفال شعبي وفني مثير للدهشة.

قصة زواج أبو الحجاج من الراهبة تريزا 

عندما قدم ولي الله الصالح إلى الأقصر كانت القديسة تريزا، حاكمة الأقصر، ورغم الروايات الصوفية التي تتداولها العامة أن أبو الحجاج تزوج من القديسة، إلا أن دراسات تاريخية لم تستطع إثبات ذلك، لكن وجود الطرفين في مدينة واحدة، خلق أساطير تداوتها الألسنة عن “الولي” و”الأسطورة”.

الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي، عميد العائلة الحجاجية، وأحد الذين تناولوا سيرة الشيخ أبو الحجاج في كتاب صدر عن الهيئة العامة للكتاب، يقول إن القديسة “تريزة” التي كانت تحكم الأقصر إبان القرن السادس الهجري، حينما قدم أبوالحجاج إلى الأقصر، وطلب منها أبوالحجاج أن يبيت ليلته، فرفضت، فسألها مقدار جلد “بعير” من الأرض يتعبد فيه، فأجابته في وثيقة مكتوبة، وفي الليل جعل جلد الـ”بعير” على شكل سير طويل، ربط طرفه بأحد أعمدة معبد الأقصر، وأحاط به المدينة.

يستكمل الحجاجي روايته لـ”ولاد البلد” بأن أبوالحجاج حول جلد الجاموسة الذي أعطته له القديسة “تريزا”، لكي ينام فيه، إلى “سيور” ولف حول مدينة الأقصر وهو يقرأ القرآن؛ فتملكها بموجب الوثيقة، فلما استقيظت القديسة “تريزا”، طلبت منه أن يذهب ويترك المدينة، فقال لها “أنتِ أعطيتيني مكان ما يكفي “جلد جاموسة”، وأنا أخذت به مدينة الأقصر”.

لم تكن العلاقة بين الولي والراهبة في بادئ الأمر هادئة، فقد حدث صراع طويل بين الطرفين، لكن في النهاية ارتضت فعل أبوالحجاج، ويقال أنه أقام مسجده في حضن معبد الأقصر على أنقاض كنيسة تريزا.

شمس الدين يشير إلى أن قصة زواج أبوالحجاج بالقديسة “تريزة” غير مؤكدة، وعندما توفيت، أقيم لها ضريح بجانب ضريح أبوالحجاج، ونحن نزور الضريحين، ونقرأ الفاتحة  للشيخ والراهبة كليهما.

وفي مولد أبو الحجاج تتكرر قصة الزواج، حيث تأتي الفتيات أثناء المولد لزيارة الشيخ ويقف الشباب المقبل على الزواج أمام الضريح ينتظر الفتيات ليختار منهن من سيتزوجها، فالمولد هو تكرار لما كان أبو الحجاج يفعله.

يذكر أن أبوالحجاج أحد أشهر أقطاب محافظة الأقصر، ويقام له احتفال سنوي بمناسبة مولده، في الرابع عشر من شهر شعبان، ويستمر 7 أيام.

 

 

الوسوم