رسائل من مصر | ثورة الدرويش ومذبحة الطاغية.. قصة مقتل 1400 أقصري ظلمًا

رسائل من مصر | ثورة الدرويش ومذبحة الطاغية.. قصة مقتل 1400 أقصري ظلمًا

هذه الثورة تعتبر في الواقع حدثا عظيما وقع في هذه المنطقة من صعيد مصر، في عصر اتسم بالظلم والجور والارهاب من جانب حاكم ظالم مستبد لا يقوى أحد على مجابهته والتصدي لأفعاله…

من أسباب هذه الثورة، كما يقول عبد الجواد عبدالفتاح الحجاجي، رئيس الأثار الإسلامية والقبطية السابق نقلا عن “كتاب صفحات من تاريخ الأقصر في عصر إسماعيل باشا من إعداد محمد عبده الحجاجي”، الذي نقله بتصرف من كتاب رسائل من مصر، لليدي لوسي دف جوردن، أن هناك رجل من “الباشوات” حاول أن يغوي سيدة ويتخذها رفيقة فراش لكنها رفضت وذهبت للدرويش أحمد الطيب الذي تدخل لوقف هذا الرجل لكن “الباشا” استعان بالحكومة ضد الأهالي ومالبثت أن اندلعت نيران الثورة.

ويضيف أن الحياة بدأت تتجهم في وجه أبناء منطقة الأقصر بسبب كل هذه الأحداث من ظلم وجور وفرض لضرائب وقسوة في جمعها، حتى أن الناس قد وقعوا في الفاقة والمسغبة وتعذر عليهم الحصول على القوت الضروري، الذي يقيم أودهم فقد ارتفعت جميع أنواع المواد الغذائية واختفت هذه المواد من الأسواق.

وبدأ مرض الطاعون ينشتر، وكان نتيجة لذلك أن الناس اعتدوا على سفينة، محملة بالبضائع كانت قد رست على شاطئ نيل الأقصر ونهبوا ما بها من بضائع، وحدثت مواجهة بين أبناء منطقة الأقصر والأمن والسلطات الحاكمة أدت هذه المواجهة إلى إشعال نار الثورة.

في 13 مارس سنة 1865، كما تؤرخه لوسي، وفي قرية تسمى السلامية جنوبي الأقصر،  اندفع بحماس بالغ أحد أبناء هذه القرية ويدعى الدرويش أحمد الطيب، وقاد هذا الدرويش هذه الثورة بكل قوة وشجاعة والتف حوله جميع أبناء الأقصر وما حولها من قرى، وأخذ لهيب الثورة يستعر وكانت كل يوم تكسب أعوانا وأنصارا.

 

من هو الدرويش أحمد الطيب “قائد الثورة”؟

 

من أبناء قرية السلامية، وهي قرية تبعد عن الأقصر بحوالي ميلين من أسرة دينية عريقة، ينتهي نسبها إلى الإمام الحسن بن علي رضى الله عنه، سار سيرة والده الذي كان قبل ذلك بثلاثين سنة من طبقة الدراويش أيضا، وله اسم وسمعة طيبة.

استطاع الشيخ أحمد الطيب أن يبلغ مرتبة الدراويش، وقيل عنه أنه كان  يردد أحد أسماء الله الحسنى مثل “يا لطيف” ثلاثة آلاف مرة كل ليلة لمدة ثلاث سنوات، وقد جعله الله لذلك محصنا من كل سوء ومكروه، حسب ما قيل عنه.

هذا ما اوردته السيدة لوسي في حديثها عنه، ليقاوم الظلم والطغيان والجور الذي كان يقع على عاتق أبناء الصعيد من قبل إسماعيل وزبانيته فقد كان يكره هذا الحاكم الظالم ويدعو الله أن يخلص الناس من شره، لذلك نراه يتزعم هذه الثورة التي اندلعت بالقرب من قرية السلامية هذه ضد الظلم والطغيان.

لكن مع الأسف الشديد سرعان ما تنامي خبر الثورة  إلى الحكومة فتحركت على الفور لإخمادها ولاذ الشيخ أحمد الطيب بالفرار، فقبضوا على كل أقرباء الشيخ أحمد الطيب وقيدوهم ونفوهم إلى قنا، وما زال نسل الشيخ الطيب يمتد حتى يومنا هذا وهم أهل جود وبر وإحسان وعلم وصلاح وتقوى.

إخماد الثورة والتنكيل بها

تنامي خبر الثورة إلى أسماع الحكومة، فتحركت على الفور واستطاعت أن تقضي عليهم بشكل تام، وقبضت على العديد ممن حامت حولهم الشبهات وأمرت بنفيهم خارج البلاد ونكلت بالكثير منهم.

واستطاع الدرويش أحمد الطيب أن يلوذ بالفرار إلى مكان مجهول، لكن الحكومة أمرت بالقبض على كل من يمت إليه بقرابة، سواء كان ذكرا أو أنثى شابا كان أو كهلا، فقبضوا على أخيه وهو رجل هادئ الطبع ثم قبضوا على أبي حمية الحاج سلطان ورحلوهم إلى قنا.

شارك السيد يوسف الحجاجي الأقصري في هذه الثورة مشاركة فعالة، فقد اتجه فور وقوعها إلى السلامية وشهد أحداثها عن كثب وتألم ألما بالغا لما أصاب الناس من الظلم والجور، ودعا على هؤلاء الحكام المستبدين من الأتراك بأن يخسف الله بهم الأرض وأن يخلص مصر من شرهم وشر حكمهم وقال قولته المشهورة  “نحن مسلمون حقا ولكن سنحمد الله لو أرسل لنا اوربيين ليحكمونا”.

وكان هذا هو الرأي السائد في ذلك الوقت وأن الناس كانوا يتقولونه جهرا: “أن افضل أيام العرب يوم يطرد الأتراك من أرضهم”، وكان نتيجة لكل ذلك أن قامت مذبحة دامية في هذه الناحية السلامية، قتل فيها كثير من الأبرياء رجالا ونساء شيبة وشبانا.

بلغ عدد القتلى 1400 قتيل ما بين مسلم وقبطي، وألح عدد كبير من أبناء الأقصر وعلى رأسهم السيد يوسف الحجاجي الأقصري على هذه الكاتبة الإنجليزية أن تنشر وقائع هذه المذبحة في جريدة التايمز الإنجليزية حتى يطلع العالم على هذه الأعمال الاجرامية، التي تقوم بها السلطات الحاكمة في مصر، وقد كتبت السيدة لوسى بالفعل تلبية لهذه الرغبات الملحة في هذه الموضوع، لكن مع الأسف لم ينشر وتقول إن الخطاب قد فض في القاهرة واطلع عليه المسؤولون ومنعوا إرساله.

من هي لوسي دف جوردن كاتبة هذه الأحداث؟

يقول عبد الجواد عبدالفتاح الحجاجي، رئيس الأثار الإسلامية، إن الليدي لوسي دف جوردن إنجليزية الأصل، ولدت في لندن عام 1821، وتربت بين أحضان أسرة أرستقراطية، كانت تسمى عند ولادتها لوسي أستن.

وحينما تزوجت سنة 1840 من السير ألكسندر دف جوردن متخذة لقب زوجها على عادة الإنجليز، نشأت بين مهاد النعمة وظهرت دلائل هذه النعمة على كل جانب من جوانب حياتها، فقد كانت رشيقة القوام خمرية اللون ناضرة الوجه.

أصيبت بعد ذلك بمرض السل الذي أخذ يتسرب شيئًا فشيئًا إلى جسدها؛ حتى تمكن منها في الوقت الذي لم يكن الطب قد توصل إلى علاج ناجح.

وقد نصحها الأطباء أن تترك جو مدينة لندن البارد وتذهب إلى جنوب إفريقيا للاستشفاء والعلاج، فذهبت إلى مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا، لكنها لم تتقدم صحيًا، فعادت إلى لندن فنصحوها بالذهاب إلى صعيد مصر وبصفة خاصة إلى مدينة الأقصر؛ فاتجهت من لندن إلى الإسكندرية على متن إحدى البواخر ومن الإسكندرية إلى القاهرة، ثم ركبت النيل إلى الأقصر، واستقرت لوسي دف جوردن في مدينة الأقصر، وكان ذلك في الفترة من 1864 حتى 1869 في عهد إسماعيل باشا.

ويشير رئيس الآثار الإسلامية والقبطية السابق، إلى أن لوسي عاشت في بيت فرنسا بالأقصر وكان لها برنامج يومي معين؛ حيث كانت تخرج كل صباح على حمارها الصغير تتجول على ساحل النهر ويمضي وراءها فتى صغير يتسابق هو والحمار، ثم تعود بعد هذه الجولة إلى منزلها لتتناول طعام الإفطار عبارة عن لبن الناقة والخبز والقهوة، ثم تعاود الخروج من المنزل وتمكث في الخارج حتى مغرب الشمس.

أما في المساء فكان منزلها مقصدا للزائرين من الأصدقاء والجيران، وقد أحبها أهل الصعيد حبا يفوق كل وصف والتفوا حولها فأنسوا فيها كل معاني النبل والإخلاص والمودة والمحبة، وكانت تشفق على الفقراء والمساكين وتداوي منهم المرضى.

الوسوم