ما فعلته “الأرانب” بملايين الجنيهات في الأقصر!

ما فعلته “الأرانب” بملايين الجنيهات في الأقصر!

غضب وحزن تواريا خلف ملامح الزوج الذي ركل الباب، ثم أغلقه خلفه بعنف دون اكتراث، قبل أن يبدأ إلقاء اللوم بعصبية على زوجته التي أقنعته بالمشاركة في مشروع “تجارة الأرانب”

لم تكن تلك الأسرة هلي الوحيدة التي تبادلت إطلاق اللوم بين بعضهم بعضًا، فهناك أكثر من 1750 أسرة بإسنا، خسروا أموالهم فيما يسمى “مشروع الأرانب”، طمعا في فائدة- قيل- إنها تتراوح بين 14 إلى 20% شهريا.

فخ الأرانب 

على أحد مقاهي النزهة وسط إسنا، كان أحمد جبريل، ينصت باهتمام لحديث صديقه منصور، بينما كانت الرياح تعصف بالشجر المحيط بالمنطقة.

يحتسي منصور رشفة من الشاي، ثم يطلق العنان لحديثه عن الوضع الاقتصادي السيئ الذي يعصف بالجميع، مثلما تعصف تلك الريح بالشجر، “مفيش غني وفقير، كله مطحون من الغلاء”.

وسط أحاديث عدة تداولها الأصدقاء أخذا وردا، بدأ مشروع الاستثمار في الأرانب، يأخذ موضعا في عقول أكثرهم.

“لن نتقيد بحركة بيع أو شراء، وهناك من سيتولى الأمر، لنتقاضى مقابل ذلك ارباحًا شهرية تبلغ 14% عن المبلغ” هكذا دار الحديث على مقهى النزهة.

يوم وآخر، كان السر الذي خبأة الأصدقاء لأنفسهم، سار في المنطقة بأسرها، بل بادر العشرات من الأهالي بالمشاركة في تجارة الأرانب.

200 مشترك في عام

مشروع تجارة الأرانب، ارتبط بشقيقتين بمركز إسنا تدعيان “ف”، و”ن”، مسؤولتان عن نشاط بأحد الجمعيات الخيرية بشارع السعودية وسط المدينة، تديرانه لحساب رجل أعمال مجهول.

قبل عامين، اتفقت السيدتان مع أحد رجال الأعمال بالقاهرة على إنشاء استثمار تجاري، ثم بدأتا في الترويج لمشروع كبير، قالتا إنه “ينقذ الأهالي من شبح الفقر ويدر عليهم مبالغ طائلة”.

حظيت السيدتان بثقة كثيرات من النساء، والأخيرات بدأن الترويج للأمر أكثر، ولا يمكن حصر عدد الزوجات اللائي استطعن إقناع أزواجهن بهذا الاستثمار، والأرباح السخية.

“رضوى” جنت أرباحها عقب مشاركتها الأولى مبلغ 10 آلأف جنيه، ولم تكن هي الوحيدة بكل تأكيد، إذ تشير الإحصاءات الأولية إلى مشاركة نحو 200 شخص في المشروع منذ انطلاقه الفعلي قبل عام.

سراب الربح السريع

الأمر جعل لعاب كثيرين يسيل طمعا في الربح السريع، والعمولة السخية دون تعب، حتى أن بعض شباب قريتي أصفون والمطاعنة، شاركوا، لكن بمبالغ تتراوح بين ألف جنيه إلى 5 آلاف.

ويمر العام سريعًا، ويتخطى رأس المال الحقيقي أكثر من 11 مليون جنيه، حسب التحقيقات التي أوردتها النيابة.

وخلال الثلاثة أشهر الأولى، جنى الفائدة “الخيالية” عدد من أبناء القرية، ما أشعل حماس الآخرين، الذين شاركوا بمبالغ أكبر.

يروي حمادة شعبان، أحد الضحايا، صدقت الوعود بعد أن جنيت أرباح ثلاث أشهر، فضاعفت المبلغ سعيا لأرباح أكثر، ولأصل بمستوى الأرباح الشهرية إلى 5 آلاف جنيه.

في المقابل، اقترض آخرون من البنوك، لاغتنام الفرصة، والمشاركة في “تجارة الأرانب”، بل شارك أحد كبار التجار بمبلغ تخطى مليون جنيه، وفق ما ذكرته التحريات الأخيرة للقضية.

"نوتة" تسجيل الأرباح في مشروع الأرانب ـ تصوير: رضوان جابر
“نوتة” تسجيل الأرباح في مشروع الأرانب ـ تصوير: رضوان جابر

الخميس الأسود

عندما اتسعت دائرة العملاء وارتفع رأس المال، تكررت عبارة “مفيش الشهر ده” على لسان المتهمتين، ومع ذلك فالأمر لم يكن مدعاة للقلق لدى الأهالي، الذين وثقوا في السيدتين.

في الخميس الأخير من فبراير، احتشد عدد من أهالي القرية دون تنظيم مسبق أو ترتيب، لجني الأرباح الشهرية، ليجدوا مقر الجمعية مغلق، على غير العادة.

لم يمر وقت طويل، حتى علم الأهالي، أن الهواتف هي الأخرى مغلقة، كل محاولات الوصول إلى السيدتين باءت بالفشل، والجميع يقاوم فكرة بدأت تتسرب إلى الرؤوس “هل تعرضنا للنصب؟ لا لا عادي كل الشركات كدا”، وبعد سويعات تنفس الجميع الصعداء بعد أن أخبرهم أحد الأهالي أن ظروفا مرضية منعت السيدتان من الحضور اليوم، ليتكرر الحضور مرة أخرى يوم السبت.

“مفيش فلوس الشهر ده” هكذا رددت “ن” للوافدين من مختلف القرى والنجوع، واحتد الأمر حتى تعدى أحد الأهالي على الشقيقتين، وأن الأمر أصبح مريب وأنه يرغب في استرداد أمواله حالًا .

تروي رضوى علي، ربة منزل بإٍسنا، تفاصيل الامر: شاركت أنا والعديد من أبناء إسنا فكرة المتاجرة والاستثمار السريع، وبعد وعود من الشقيقتين “ف”، 41 عامًا، “ن”، 30 عامًا، توهمنا انتهاء كل أزماتنا المالية، وكنا نتوقع جني ربح شهري يصل لنحو 1400 جنيه، دون مشقة.

تتابع: جنينا ثمار الفائدة الشهرية الأولى فقط، بعدها تلقينا خبر القبض على الشقيقتين بعد تحرير محضر لهما بتهمة التجارة بنشاط غير مشروع.

“حسبي الله ونعم الوكيل” بتلك الكلمات يبدأ حمادة شعبان، أحد الضحايا، بعد أن خسر أمواله التي جناها من تجارة الأراضي، وتقدر بـ200 ألف جنيه، بالإضافة لبيع مصوغات زوجته من أجل المشاركة في المشروع الوهمي.

ويتساءل حمادة بسطاوي، أحد الضحايا، الذي فقد أموال أسرته في المشروع الوهمي “ضبطهم وحبسهم هيفيد بإيه؟ لازم يجيبوا الراس الكبيرة ويرجعولنا قوت عيالنا.

ضمانات واهية

على الجانب الآخر، قالت إحدى الشقيقتين، خلال التحقيقات، إنهما تجمعان مبالغ كبيرة من الأهالي بفائدة 14%، وأنهما تعملان في ذلك المشروع منذ سنة عام 2017، وكانتا تسلما الأهالي “نوتة” صغيرة باسم المشترك ورقم هاتفه ورقم بطاقته الشخصية والمبلغ والفائدة الشهرية.

وتضيف: كنت أجمع الأموال من المواطنين ويتم تسليمهم الفائدة بعد شراء أعلاف وبطاريات الأرانب والمستلزمات الطبية البيطرية، وأنهما يديران مشروع الأرانب لصالح أحد رجال أعمال في القاهرة.

تتابع أن المشروع يعتمد بالأساس على الاستيراد والبيع، وشراء البطاريات والأعلاف والمستلزمات الطبية وتوريدها لمزارع الأرانب بكافة المحافظات، وتلك تجارة تصل أرباحها إلى أكثر من 60%”.

وعن الشق القانوني، يقول المحامي عبد الفتاح عبيد، إن الضحايا حرروا نحو 300 محضر حتى الآن  في مركز شرطة إسنا ضد الشقيقتين، وأن النيابة تسعى جاهدة لاستكمال التحقيقات وضبط رجل الأعمال الذين يديرون المشروع في عدد من المحافظات.

ويوضح عبيد، أن الحل الوحيد أمام أي ضحية أن يحرر محضرا بالواقعة، ويقدم صورة من الاتفاق والإيصالات الواردة من الشقيقتين.

الأهالي يترقبون تحقيقات النيابة

وأمرت نيابة إسنا الجزئية جنوب محافظة الأقصر، برئاسة المستشار زياد البريري، وسكرتارية تحقيق عبدالرحمن جابر، ومينا رؤوف، وإبراهيم البدري، بحبس الشقيقتين 15 يوما على ذمة التحقيقات في قضية “مشروع الأرانب”، بتهمة النصب على المواطنين في مبالغ مالية تصل إلى 11 مليون جنيه.

وتسيطر حالة من اليأس والحزن على الأهالي، مرددين أنهم وقعوا ضحية نصب، مع ظنهم أن أموالهم لن تعود مجددًا، وأن حبس الشقيقتين لن يجدي، وأنهما وسيلة استخدمها أحد المحتالين ورجال الأعمال لنهب أموال البسطاء.

في الوقت ذاته ينتظر الجميع، ما تؤول إليه التحقيقات، ويصبح السؤال الأبرز لدى الجميع في الوقت الحالي هل من الممكن أن تعود الأموال لمستحقيها؟

الوسوم