ولاد البلد

فيديو وصور| جدل في الأقصر بسبب مجسم ميدان الإبروتيل.. ومصممه: فلسفة في شكل معماري

فيديو وصور| جدل في الأقصر بسبب مجسم ميدان الإبروتيل.. ومصممه: فلسفة في شكل معماري مجسم ميدان الإبروتيل - تصوير: أبو الحسن عبد الستار

حالة من الجدل تشهدها محافظة الأقصر، بسبب تصميم مجسم ميدان الإبروتيل ، الواقع وسط المدينة، بمدخل شارع خالد بن الوليد، المؤدي إلى منطقة العوامية، فيما وصفه البعض بغير المفهوم، بينما أشاد العديد من الفنانين التشكيليين بالعمل، لكنهم أيضا رأوا أنه غير مناسب لطبيعة المدينة السياحية.

“ولاد البلد” تواصل من مصمم المجسم، وهو الدكتور محمد يونس مدرس العمارة الداخلية والديكور بكلية الفنون الجميلة بالأقصر، لتوضيح رؤيته الفنية.

مجسم ميدان الإبروتيل

يقول الدكتور محمد يونس إن العمل في الفن “المياديني” أو الجماهيري، شيء صعب للغاية، بسبب عدم القدرة على إرضاء جميع الأذواق المختلفة ذات التعليم والثقافة المختلفة، والوصول إلى عمل فني يرضي، ولو حتى 60% من الناس فهذا يعتبر نجاح، ومع الوقت الناس تبدأ في تقبل الشكل تدريجيا ويرون فيه شيئا جميلا.

دراسة محيط المجسم

ويضيف يونس، أن كلية الفنون الجميلة قدمت مقترحات وكان من ضمنها مقترح له، واختاروا مجموعة من الأعمال سيتم تنفيذها  في عدد من الميادين، وبعد مدة تواصلت معه الإدارة الهندسية، وأبلغوه باختيارهم مقترح له.

يشير الدكتور يونس إلى أنه بعد ذلك بدأ بدراسة المحيط الذي سيتم وضع مجسم ميدان الإبروتيل فيه، فوجد حولي فندقين، أحدهما قيد الإنشاء، وجميع المحيط الذي حوله هو “مودرن” حديث، والمجموعة اللونية هي المجموعة الخاصة بالتنسيق الحضري لمدينة الأقصر.

ويكمل: بالتالي عندما اخترت الألوان كان المحيط اللوني هو التفكير، وبدأت بصياغة نقطة ثانية وهي وجود نهر النيل كنقطة أساسية بجانبي، فأردت عمل رمز مرتبط بنهر النيل ويقول هنا الأقصر، ومتناسق مع المكان وشكله في النهار مقبول، وشكله مساء مع استخدام الإضاءة المخفية والخفيفة يعطي شكل آخر.

مجسم ميدان الإبروتيل - تصوير: أبوالحسن عبدالستار
مجسم ميدان الإبروتيل – تصوير: أبوالحسن عبدالستار
الرؤية الفنية

ويوضح مدرس الديكور والعمارة الداخلية في كلية الفنون الجميلة: الرؤية الفنية تكمن في استخدام رموز واستوحيت منها خطوطي، مثل الخرطوشة الفرعونية والطائر المجنح والبوابة الوهمية، وتاج الملك مينا موحد القطرين بالجزأين الأبيض والأحمر، وأخذت أجزاء صغيرة وبدأت عمل تشكيل بها.

ويصف يونس التشكيل، مبينا أنه عبارة عن المسقط الأفقي الخاص بالميدان هو عبارة تحوير للطائر المجنح، أي كتلة العمل الفني محاطة بجناحي الطائر، وكواجهة فهي مستطيلة آخذة شكل الاستطالة الخاصة بالخرطوشة.

يشير المدرس بكلية الفنون الجميلة، إلى أنه لو نظرنا للمسقط، فهو عبارة عن 4 خراطيش مرتبطين ببعضهم بالكتلة الحديدية، فالكتلة  الحديدية ترمز لتاج الملك وجزء من أنوبيس، فتاج الملك يدل على الحماية والأمان والسلطة، وأنوبيس بصفة عامة فهو يرمز للحياة ولونه الأسود يرمز لتربة النيل الخصيب.

يسترسل يونس في الحديث ليوضح أنه تمت “التجميعة” هذه كلها، ليفكر في عمل طبقة أخرى من الحديد، والاستفادة من تقنية الليزر  والتقطيع والخامات الحديثة، حيث أخذت موجة نهر النيل شكل المثلثات ووظفتها بالتفريغ لكي تظهر أثناء تشغيل الإضاءة ليلا تظهر الرخام الموجود خلفها، لتأكيد هوية الأقصر من خلال كلمة الأقصر المكتوبة بالهوية الفرعونية أو بالهوية البصرية الجديدة.

ويكشف أيضا أن باقي الأجزاء الموجودة في مجسم ميدان الإبروتيل، لها مدلولات فرعونية بنظام العمارة الحديثة، فهو عبارة عن توليفة ما بين الهوية الفرعونية برؤية حديثة.

مجسم ميدان الإبروتيل - تصوير: أبوالحسن عبدالستار
مجسم ميدان الإبروتيل – تصوير: أبوالحسن عبدالستار
الأقصر مدينة حساسة

الدكتور حمدي أبوالمعاطي، نقيب التشكيليين السابق، وأستاذ متفرغ بكلية الفنون الجميلة بجامعة القاهرة، كان له رأي معارض لفكرة وضع المجسم، قائلا إن هذا التصميم لا يصلح أن يوضع في محافظة كالأقصر، لكنه أشاد في نفس الوقت بفكر الدكتور يونس، مشيرا إلى أن الفلسفة التي كتبها للتصميم محترمة جدا، لكن على أرض الواقع لم تنفذ بالضبط.

ويرى أبو المعاطي أن هناك دلالة رمزية للموضوع لم تحقق بمعنى أن الشكل التطبيقي لها لم ينفذ بشكل صحيح، لأن الأقصر مدينة لديها طابع خاص وحساسة في تجميل الميادين، لأنها في الأساس كلها أثرية، حتى لو تم عمل مجسم أو تصميم حديث لابد أن يكون فيها روح المصري القديم، وليس نقل من المصري القديم.

ويضيف نقيب التشكيليين، أن وضع كلمة الأقصر بهذا الشكل على مجسم ميدان الإبروتيل يعطي طابعا إعلانيا، وكان لابد من الرجوع للجنة متخصصة، حتى لو كان المصمم متخصص، حيث يجب طرح “الماكيت” أولا قبل التنفيذ، مشيرا إلى أنه كان من الأفضل عرضه على لجنة مختصة تتكون من مهندسين معماريين ونحاتين، ومختص ديكور وفنان تشكيلي، وأحد ممثلي وزارة الآثار، لتقييم استمراره من عدمه، ويعرض على التنسيق الحضاري.

ويشير نقيب التشكيليين السابق إلى أن هناك قرار لرئيس مجلس الوزراء بعدم إنشاء أي مجسم أو تمثال أو تجميل أي ميدان على مستوى الجمهورية، إلا بالرجوع إلى وزارة الثقافة، والتنسيق الحضاري ونقابة التشكيليين، باعتبارها الجهة المعنية.

ويرى أن المجسم لا يحمل أو يعبر عن أية هوية حضارية للأقصر، وبعيد تماما عن روح المكان، مبينا: “لم نكن نحتاج لكتابة كلمة الأقصر في التصميم، وذلك يحتاج إعادة نظر”.

مجسم ميدان الإبروتيل - تصوير: أبوالحسن عبدالستار
مجسم ميدان الإبروتيل – تصوير: أبوالحسن عبدالستار
لا يحمل شكلا ولا مضمونا

أما الدكتور محمد عرابي، عميد كلية الفنون الجميلة السابق بالأقصر، وأستاذ التصوير بكلية الفنون بالأقصر، فيرى أن التصميم لا يحمل شكلا ولا مضمونا، موضحا: “الأقصر لا تحتاج أعمال من هذا القبيل، وأنا كأستاذ في كلية الفنون الجملية، أتبرأ من هذه الأعمال، لأننا نحن لنا تجارب في تجميل الميادين، في سوهاج وقنا، وصممنا أعمالا جميلة جدا وكتبت في التاريخ، ودُرسّت كأعمال علمية، في رسائل ماجستير ودكتوراه”.

ويتابع: مبدأ عمل مجسم لوضع كلمة الأقصر فهذه سذاجة، فمصمم التمثال تخصص ديكور وعمارة داخلية، وهو رائع جدا ومتميز جدا في عمله وتخصصه، لكن مجسم سيتم وضعه في ميدان فهذا لابد أن ينفذه ويصممه نحات، ويتم مراجعته من قبل اللجنة المشرفة لديها وعي وخبرة.

ويشير إلى أنه إذا طُلب منه عمل تمثال أو مجسم سيرفض، لكن من الممكن أن يطرح فكرة، لكن الصياغة الفنية “مثال” يدرك قيمة الشكل في الفراغ والعلاقات التشكيلية، وكيفية تجميع العلامات، يعكس الفكرة النهائية.

غير مناسب زمانيا ومكانيا

لم يختلف رأي الدكتور أحمد جمال عيد، فنان تشكيلي وأستاذ الجرافيك المساعد بكلية الفنون الجميلة، عن سابقيه في المجسم، قائلا: “في رأيي ومع كامل الاحترام لمصمم هذا العمل، فإن مجسم ميدان الإبروتيل غير مفهوم، وغير مناسب للمكان ولا للزمان وإن كنت أشيد باتزانه ككتلة معمارية، هذا ما يجعلني أقول ربما يكون ناجحا في مكان آخر ومدينة أخرى ولكن ليست في الأقصر!! مدينة حديثة لا تمتلك قوام مدينة الأقصر”.

ويكمل عيد حديثه: “الميدان أيضا لا يتناسب مع مساحة وألوان الفضاءات المحيطة به سواء كتل عمرانية أم مساحات من الفراغ .. لأن يبدو لي أن المساحات المحيطة بالميدان بها عناصر بصرية تحتاج إلى معاملة خاصة جدا.. خاصة وأن هذا المكان تحديدا مكان غني بصريا فهو أول شارع كورنيش النيل وعلى قرابة من معبد الأقصر”.

مجسم ميدان الإبروتيل - تصوير: أبوالحسن عبدالستار
مجسم ميدان الإبروتيل – تصوير: أبوالحسن عبدالستار
الكتل العمرانية المحيطة

كما يوضح عيد أن الكتل العمرانية المحيطة بالميدان بنفس ألوان الميدان، وهذا ما جعل التصميم يفتقد لعنصر التباين، الذي يساهم في نجاح أي عمل فني، كما أن التصميم نفسه افتقر إلى التباين سواء في توزيع أحجام العناصر المكونة للشكل أم في الألوان، مما جعل عناصر التصميم كلها تبدو وكأنها كتلة واحدة بدون تفاصيل أو خطوط، ولذلك المتلقي شاهدها كأنها بناية ضخمة بدون تفاصيل.

ويضيف الفنان التشكيلي أن خطوط التصميم الحادة والرأسية وكتلة الميدان الضخمة التي تشبه إلى حد بعيد جداً بناية حديثة مثل الموجودة في ظهر الميدان، هل هي مناسبة ؟! لماذا استخدام كل هذه الكتل الأسمنتية والصاج والاستانلس والحضارة المصرية القديمة تركوا لنا الخامات النبيلة الفريدة كالجرانيت والرخام.

ويتابع: “الخامات الحديثة خامات استهلاكية تناسب تصميم التجمعات الاستهلاكية كما أنها خامات قصيرة الأجل، وبالتالي معرضة للتلف بسرعة جدا ومن ناحية أخرى غير مناسبة للهوية البصرية القديمة للأقصر سواء الطابع العمراني أو المعابد المصرية القديمة.

كلية الفنون تتبرأ

وردا على حالة الجدل التي تدور حول مجسم ميدان الإبروتيل، يقول الدكتور يوسف محمود عميد كلية الفنون الجميلة بالأقصر، إن التصميم تم دون العرض على اللجنة المسؤولة عن تجميل الميادين بالكلية، ولم يتم تحت إشرافها وإنما تم بعمل فردي، مؤكدا: “نحن نتبرأ من هذا المجسم”.

الوسوم