صور| بين الحاجة والهواية.. “ظريفة” و20 عاما في صناعة الأقفاص

صور| بين الحاجة والهواية.. “ظريفة” و20 عاما في صناعة الأقفاص ظريفة تحدد أطوال الجريد لصناعة الأقفاص- تصوير: رضوان جابر
تصوير- رضوان جابر

في الخامسة فجرا، وقبل شروق الشمس يوميا، تستيقظ ظريفة، 58 عاما، لتبدأ يومها كعادتها منذ 20 عاما تقريبا، حيث تقوم بتجهيز الفطور لأبنائها، قبل أن تتجه إلى غرفة بدائية ملحقة بمنزلها ومشيدة بالخوص، لتبدأ في عملها اليومي بدق جريد النخيل، وتقليمه باستخدام السكين والبورمة، ثم تقطيعه إلى مقاسات مختلفة الأحجام والطول، ثم مرحلة “التخريم” ليتحول الجريد في النهاية إلى أعواد تشبه الخيزران تمهيداً لصناعة الأقفاص منه.

صناعة الأقفاص هي مهنة ظريفة محمد جيلاني، التي بدأتها بدافع التضحية، لتربية 4 أبناء لم يقوى زوجها المريض على العمل للإنفاق عليهم، إلى أن توفى قبل 10 أعوام، لتستمر في هذه المهنة طوال هذه السنوات لتحارب ظروف الفقر والترمل وأيضا منزل متهالك بلاسقف أو دورة مياه.

ظريفة تختار الجريد المناسب لصناعة الأقفاص

حاجة أم هواية

بدأت ظريفة مهنة صناعة الأقفاص، من قريتها نجع الشوارب، التابع لقرية الحلة بمركز ومدينة إسنا، جنوبي الأقصر، من خلال مساعدة بعض العمال في ورشهم بدق الجريد، ومن ثم مراقبتهم لتعلم أسرار المهنة، حتى صارت تعتاد على استخدام السكين والبورمة، ووصل الأمر إلى إصابتها المتعددة في يديها من السكين، ولكن “صممت على الاستمرار في العمل لمساعدة أبنائي وزوجي قبل وفاته”.

ورغم أن دافع “ظريفة” لتعلم هذه الصنعة هو تربية أبنائها ومساعدة زوجها، إلا أنها لا تنكر شغفها بصناعة الأقفاص، لكنها تعود للتأكيد على صعوبتها، مشيرة إلى أنها تسبب العديد من الأمراض لاسيما آلام الظهر، بسبب الجلوس لساعات طويلة أمام الآلات البدائية، التى هي عبارة عن شاكوش وقطع خشبية، فطبيعة المهنة تتطلب أن يظل الصانع أكثر من 12 ساعة متواصلة يوميا، متكئا على الأرض، لإنتاج من 15 إلى 30 قفصا.

ظريفة تصنف الجريد للاستخدام حسب نوعه في صناعة الأقفاص

 

“رغم المشقة في هذه المهنة إلا أنها ليست مربحة وسعر القفص الواحد يقدر بجنيه ما يعني أن إنتاجية اليوم لا تتجاوز بضع جنيهات” تشير ظريفة إلى أحد مشكلات المهنة، مستدركة بأنها لا تعرف مهنة أخرى لتفعلها بعد أن بلغت الستين تقريبا من عمرها.

“نيش الصعايدة”

وللوهلة الأولى قد يظن البعض أن صناعة الأقفاص مهنة على وشك الاندثار، الأمر الذي تنفيه الحاجة ظريفة.. “أغلب منازل الصعيد في الريف والقرى والنجوع مفروشة من جريد النخل، ولا يخلو منزل منها، وهي تستخدم لأغراض مختلفة كتعبئة ونقل الخضروات والفاكهة، وأيضا نقل الطيور والدواجن من المزارع إلى أسواق الجملة، وهناك أيضا الأقفاص الكبيرة البالغ طولها متر ونصف، وتخزن فيه الأدوات المنزلية، وتكون بديلا عن “النيش” الموجود حاليا.

ولعل سبب الإقبال على الأقفاص المصنوعة من جريد النخيل، بحسب ظريفة، أنها تمتاز  عن الأقفاص البلاستيك، في أن قفص الجريد يحفظ الخضراوات والفاكهة من حراراة الشمس، بعكس البلاستيك الذي يمتص الحرارة، مما يؤدى لسرعة فساد الخضراوات والفاكهة الموجودة به.

ظريفة تقطع الجريد لصناعة الأقفاص

“الحالة المادية صعبة جدا والعائد من بيع الأقفاص غير مجزي” تؤكد ظريفة، مشيرة إلى أنها حلمها الوحيد هو فتح ورشة خاصة بها لصناعة الأقفاص، لتحقيق هامش ربح أعلى من الغرفة الصغيرة التي تعمل فيها بفردها يدويا ولا تكاد تصنع في اليوم الواحد أكثر من 10 أقفاص.

هكذا تتعلق ظريفة بالمسؤولين وفاعلي الخير لإنشاء ورشة خاصة بها، بعد أن قامت مديرية التضامن الاجتماعى في الأقصر، بإعادة بناء منزلها المتهالك، الشهر الماضي، وتوصيل المياه له، ضمن مبادرة “حياة كريمة” تقديرا لكدها طوال العقود الماضية، ومعاناتها في تربية أبنائها بعد وفاة زوجها، إضافة لعملها بأحد المهن الرجالية الشاقة وهي صناعة الأقفاص.

الوسوم