من المواقف التي تعاملت معها تعاملاً مباشراً، وقد أثبتت وجاهتها في حياتنا التعليمية المعاصرة، أقف مع حضراتكم عند موقفين: الموقف الأول كان في لقاء مع الدكتور بدوي شحات، رئيس جامعة الأقصر، ففي لقاءاته الأولى كان يفكر معي ومجموعة من الزملاء من أعضاء هيئة التدريس بصوت مرتفع، فمما عرضه علينا حينها أن نفكر معه في بناء جامعة حديثة تقوم على التقنية الرقمية المتكاملة، وقد سعى سيادته – من جانبه – في طلب المعدات والأدوات اللازمة من الوزارات المعنية؛ فتوفر له ما أمكن منها، وأخذتُ ورفاقي نعمل على ذلك أسابيع، ثم عرضنا مقترحاتنا على سيادته، لكن عدم إلمامنا بأبعاد الفكرة أخرجها في صورة باهتة غير مكتملة، إذ لم يكن عندنا حينها استشراف للمستقبل، وكان أكثرنا يرى الأمر في غاية الصعوبة؛ لما يتطلبه من إمكانات بشرية ومادية نرى أنها غير متاحة في جامعة وليدة لازالت في مهدها، وعليه لم يقترح أحدنا منفذاً نبدأ منه أو به، فقد كان ذلك في شهر أغسطس من العام المنصرم 2019م.

والذي جعلني استرجع هذا الحدث وذلك الحديث ما تمر به العملية التعليمية اليوم من مضايق، ليس في مصر وحدها ولكن في أكثر دول العالم.

كلما استرجعت الأحداث والأحاديث سيطر على نفسي وعقلي شعوران متباينان: شعور فيه تعجب، وآخر يحمل الندم، أما الشعور الأول/التعجب فكان مما تكشّف لي من بُعد نظر الدكتور بدوي، وكأنه يستشرف المستقبل، أما شعوري بالندم فجاء نتيجة لعدم اجتهادنا للدخول في بيئة التعليم الالكتروني من أبوابه التي كنا نظنها مؤصدة، وهي مفتّحة الأبواب، يسيرة المدخل، فما أن تلمسنا بابها إلا وجدناه مفتّح المغاليق سهل الدخول، تبين لنا ذلك عندما اضطررنا إلى ذلك العالم الافتراضي في زمن الكورونا.

وكأن جامعة الأقصر الناشئة كانت تتحين فرصة للدخول إلى ذلك العالم الافتراضي الجديد؛ لتكون في صدارة الجامعات المصرية التي بنت منصتها الإلكترونية للتعليم عن بُعد، وقد بلغت المقررات المرفوعة على المنصة التعليمية للجامعة نسبة الـ 100 % في وقت قياسي. أما طلاب جامعة الأقصر فقد كان أمرهم أشدّ عجباً، فقد تحققت نسب دخول الطلاب على منصة الجامعة التعليمية في أكثر كليات الجامعة نسبة 100 % ولم نَدرِ هل السبب في ذلك يرجع إلى حماس الطلاب لذلك العالم الافتراضي الجديد، أم هي نوعية التعليم والطلاب في جامعة الأقصر؟ حيث إن كليات الجامعة كلها تنتسب إلى كليات القمة، جمعت عدداً من الطلاب المتفوقين.

أياً كان الأمر فقد نجحت جامعة الأقصر نجاحاً مميزاً في دخول العالم الافتراضي الجديد، لتستعد حالياً (الأول من مايو 2020م) لرفع منصتها الجديدة لتلقي البحوث الطلابية ثم تقييمها.

أما الموقف الثاني: فهو الموقف المشرف الذي ظهرت فيه وزارة التربية والتعليم المصرية، في ظل الظروف المستحدثة، فما عمل عليه السيد الوزير منذ سنوات من بناء بيئة تكنولوجية افتراضية لكل قطاعات التعليم الأساسي والفني جنى ثماره في الظروف الراهنة، وقد كنت دائم الدفاع عن السيد وزير التربية والتعليم لما يقوم به من جهد متميز، ولازلت مدافعاً عن توجهه الجديد في التعليم الإلكتروني، فأذكر ما قام به وما يعمل عليه من انجاز منظومة تعليمية رقمية فائقة، أدركنا قيمتها في الظروف الجديد الطارئة التي تمر بها الدنيا الآن، فكم هو جميل أن تجد قواعد بيانات مكتملة على شبكة المعلومات الخاصة بالوزارة لكل طلاب المدارس على مستوى الجمهورية، هذه البنية المكتملة يسرت على الوزارة التعامل مع الظروف الطارئة.

كم هو رائع أن أجد ابنتي التي في الصف الأول الثانوي وهي تؤدي امتحانها الإلكتروني من البيت على (التابلت) الذي تسلمته من مدرستها في الفصل الدراسي الأول.

كم هو رائع أن تتابع غياب أولادك من على موقع الوزارة.

كم هو رائع ما تقدمه الوزارة من بوابات تعليمية وشروح وافية للمقررات على شبكة الانترنت، تكشفت لأكثر أبنائنا عندما مُنعوا من الخروج إلى الدروس الخصوصية، حتى أن ابنتي قالت لي: كم من وقت كنا نضيعه في التنقل بين الأساتذة والمجموعات، والمواد التعليمية بين أيدينا لم ننتبه لها إلا لظروف طرأت.

كم هو رائع أن تكون مرحلة ما بعد كورونا في التعليم هي مرحلة جديدة مغايرة لكل المراحل السابقة، نعم هي فرصة لتجديد العملية التعليمية والدخول بها في منعطفات أكثر تطوراً، هي فرصة كبيرة للقضاء على آفة الدروس الخصوصية، ومرض الكتاب الجامعي، لنبدأ مرحلة مغايرة عما كانت عليه حيواتنا التعليمية من قبل.