ولاد البلد

المتأمل لحياة النباتات من حولنا، يجدها تطابق جُزئيًا حياة بعض البشر، ولنا في هذا الصدد مِثالان..

المثال الأول: وهو النبات المُتسلق أو المدّاد، وهذا المُتسلق المدّاد الانسيابي يتصف بكونه نبات ضعيف لا يمتلك لقوام، ولا تقوى سوقه على العلوّ رأسيًا بمُفردها. لذا، دائمًا ما نجد هذا النبات يدور في الهواء في حركة لولبية باحثًا عن وجهته التي يطمح إليها، ثم بعد ذلك يتسلق بطريقة أو بأخرى على أي جسم مُجاور له حتى يصل إلى ضوء الشمس.

لا نُنكر المجهود الذي يبذله هذا النبات في حركته الدائرية، ولكن علينا أن نعترف أيضًا أنه مجهود مهدر في غير مكانه، وبمجرد تخلي هذا الجسم المجاور له لأي سبب من الأسباب، ينحدر ويقع إلى أسفل بشكل سريع، ثم يبحث من جديد عن جسم أخر ليرتفع عليه حتى يقع مرة أخرى، فهو مُجرد تابع ومُتطفل ولا يملك نفسه أو مصيره، فضلاً عن كونه نبات غير مُثمر.

المثال الثاني: وهو شجرة النخيل، وجميعنا يعرف رشاقة وطول وفخامة النخيل، شجرة مُعمّرة تعيش ما يصل إلى 150 عامًا، وتتميز بساق طويلة وغليظة وقد يصل طولها لثلاثين مترا.

شجرة مُثمرة لا تعتمد على أي جسم مجاور لترتفع وتصل لضوء الشمس، يُضرب بها المثل في الشموخ والتحدي وعزة النفس، تنمو في أي بيئة وتتحمل المتغيرات الكونية وتواجه العواصف والأمطار وحدها وبدون مُساعدة  أحد، تواجه الكون بجذور عميقة ثابتة في الأرض وأفرع تُعانق عنان السماء.

وماذا بعد؟

هل رأيتم من قبل أن أحدا غامر وقذف حجارته على النبات المُتسلق عديم الفائدة؟ بالطبع لا، ولكن جميعنا يقذف النخيل كي يُعطينا أطيب ثماره غير مُبالين لمشاعر هذه النخلة الكريمة التي تمنحنا أطيب ما عندها دون النظر لأفعالنا الانتهازية القائمة على المنفعة.

نحن في زمن كثر به المُتسلقون وناكرو الجميل، زمن استشرت فيه لوثة المنفعة والمناصب، حتى جعلت البعض يبيع فطرته الإنسانية السليمة، فمن باحث عن منصب وآخر عن مال إلى البحث عن الشهرة والأضواء.. وبين هذا وذاك وتلك، يظن هؤلاء أن لديهم من القوام ما تملكه شجرة النخيل المثمرة، مُتناسين صفاتهم الانتهازية اللولبية عديمة القوام.

وفي الأخير نجد المُجتمع الذي أصبح إلى حد بعيد مجتمعا مجاملا في معظمه بسبب هيمنة السوشيال ميديا، يبارك ويهنئ هؤلاء ثم يرجع يقذف شجرة النخيل المثمر، ليس لأي سبب سوى أنها شامخة مترفعة عن ما دونها.

احموا ظهوركم من المتسلقين وكونوا كالنخيل لا ينحني للريح، مُرتفعا عن الأحقاد حتى لو قذفوه بالحجارة يعطينا أطيب ثماره.