شهر وربما أكثر ونحن جالسون في المنازل نتابع إحداثيات وأرقام وتوقعات خاصة بأزمة فيروس كورونا المُستجد، نسمع من هنا وهناك، الكلمة وضدها في ذات الوقت… فقط تخيل معي انك مسجون في غرفة ضيقة باللون الأزرق.. بها أكثر من خمسة آلاف شخص يتحدثون في ذات الوقت، بلا شك ضجيج يؤدي إلى الجنون والإنيهار العصبي !!! هكذا يبدو لي هذا الفايس بوك.

فقد أصبح كلٍ منا بمثابة مُراسل صحفي لما يحدث بالعالم أجمع، وسمحنا لأنفسنا بنقل الأخبار  للعامة دون توثيق أو تحرّي للمعلومة، ضاربين عرض الحائط بمدى تأثير تلك الأخبار على المجتمع والإقتصاد والأسر المصرية البسيطة، على الأم التي تنظر إلى أطفالها وتناجي الله أن يحفظهم، والأب الذي ينتظر عودة الحياة مرة أخرى لجلب قوت يومه … وأصبحت جملة ” خبر عاجل ” تُضفي نوعاً من التفرد لدى كاتبها حتى يُجذب المُتابعين وتزداد الـ ( لايكات ) والـ ( مُشاركات )، وظهر لنا عدد لا بأس به من الفيديوهات التي لا تمس للطب أو علم الفيروسات لا من قريب ولا من بعيد …  ولا يهم الحالة النفسية للمتابعين والمتعلقين بالأمل .. لا يهم أي قرار سوف يأخذه أحد البسطاء بناءاً على منشور ربما غير حقيقي …

قبل انتشار السوشيال ميديا كنا نأخذ الأخبار من مصدرها الصحيح وهي الصحافة الشرعية، والتي تخضع لقوانين وميثاق شرف ونقابة تحكمها، ولعل من أهم بنود هذا الميثاق الذي تم إصداره في مارس عام 1998 م بموافقة المجلس الأعلى للصحافة هو الالتزام فيما ينشره  الصحافي بمقتضيات الشرف والأمانة و(الصدق)، بما يحفظ للمجتمع مثله وقيمه، وبما لا ينتهك حقًا من حقوق المواطنين، أو يمس إحدى حرياته. وهذا يؤكده أصدقاؤنا الصحافيين الأفاضل، وفي الحقيقة كان الله في عونهم وسط فضاءات العالم الأزرق المُزعج الموسوم بالـ Face Book.

على أي حال، بالتالي إذا ما تم نشر خبر غير صحيح عن طريق السهو أو الخطأ أو أي سبب أخر، فكانت الجريدة تنشر تصحيحه فيما بعد وربما تنشر إعتذارًا يليق بالحدث .. هكذا كانت إدارة الأخبار .. ومع ظهور السوشيال ميديا أصبحنا جميعا نملك منصات إلكترونية وهي (حساباتنا الشخصية) ، والتي هدفها الأساسي هو التواصل المجتمعي فقط !!! أصبحت هذه الحسابات مُتاحة لنا دون ضوابط أو قوانين أو حتى مؤهلين أننا نصنع خبر أو نبث معلومة كما أننا  نتداول المعلومات دون الرجوع الى المصدر الحقيقي هذا إن وجد من الأصل مصدراً!! … ونقع فى خطآن شائعان  ؟؟ أولهما نشر أخبار دون التحري من دقتها … والثاني إذا علمنا بعدم صحتها فيما بعد، فهل نقوم بنشر التصحيح على صفحاتنا ؟؟ ومن ثم، نجد من يتابع ويشارك المنشورات هو الأخر أيضاً بدون تحقق ، ومن مُشارك لآخر ، ومن صفحة لصفحات عدة، أصبح المصدر ” سمعت ” و ” قالولى ” و ” بيقولوا “… لله الأمر …. كما يبدو لي الأمر في منتهى العبث حينما أجد غير المتخصصين يتطوعون بنقل الأخبار وصياغتها وتأكيدها بكل حماس !، وهل يصح ذلك ؟؟ صفحاتنا الشخصية فقط للتواصل الإجتماعي، ونترك الأمر للسادة الصحافيين ينقلون لنا بناءاً على مصادرهم الموثقة، فهم مؤهلون لذلك ويقومون بواجبهم بما تقتضيه إدارة الأزمة .. وإذا كان لابد شارك الخبر منه وأكتب المصدر.

مهما كنت عالمًا في تخصصك الدقيق، ولكن بالنسبة لتخصص آخر أنت ( من العوام ) .. فلماذا نتطوع  لادلاء النقد والاجتهادات في تصاريح وبث شائعات عن أرقام  دون معرفة كافية بمجريات الأمور ؟ وإن كان فمن الأحرى أن نتطوع أيضاً بإيجاد الحلول ونساعد في تطبيقها ليس فقط من خلف الشاشات ! فلماذا لا نبدأ كلٍ منا بنفسه !!

الأكثر دهشة فيما يحدث هو أننا نتعامل مع المساحات الشخصية، والمفترض أن تكون آمنة بشكل مُستباح، فمثلاً أتصفح الفايس بوك أرى صورة شخصية لأحدهم وقد تم استخدامها على خبر إصابته بالفيروس مثلاً دون أدنى معرفة بشخصه، أو دون إذن مُسبق، وربما لو طُرح عليه أمر نشر صورته لرفض … وتندهش أكثر وأكثر حينما تجد الصورة في أقل من ساعة وصلت لمحافظات مصر من ادناها الي اقصاها.

يقول الله عز وجل في سورة ق الآيه 18 : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ …. أي كل كلمه  يتحدث بها ابن  آدم لها من يراقبها معتد لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، نحن نتناقل الأعداد والأخبار copy و paste لنقتل أنفسنا ونقوم بعملية إنتحار جماعي دون أن ندري، من خلال بث الشائعات والأخبار المُحبطة والسخرية من منجزات الأطباء أو المسؤولين عن هذا الملف، نتسابق في نقل المعلومات وتداولها، ونرهق معنا المسؤولين والصحافيين في محاولة نفي هذا الشائعات وتصحيحها … والمؤسف أن نعلم جميعاً أنه في النصف الثاني من عام 2019 تم رصد 53 ألف شائعة و 10 ملايين حساب مزيف على الفايس بوك حسب تقرير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء !!!

رجاء محبة من أجل الوطن .. من أجل الإنسانية .. لا تنساقوا وراء منشورات غير مؤكدة، الوطن يستلزم علينا أن نقف في صف واحد وعلى قلب رجل واحد، لا مجال الآن للآخطاء نحن في مصفوفة واحدة يحتاج كل منا للآخر ..

عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كفى بالمَرءِ إثماً أن يُحدِّثَ بِكلِ ما سَمِع (، وفي حديث أخر عن سيدنا محمد صل الله عليه وسلم يقول : إن الله كرّه لكم قيل وقال وكثرةَ السؤال وإضاعة المال … ويقول سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: إن لله عباداً يُميتون الباطل بهجره.

حفظكم الله وحفظ مصر آمنه أبية مستقرة، ورفع الله عنا الوباء والبلاء .

د. أحمد جمال عيد

مستشار الأنشطة الثقافية لجامعة الأقصر