في موروثنا الفكري الحالي نُفرق بين الأدب و الفن – ونقول إن الأدب مادته و قوامه تعتمد على “المعاني والدلالات” –  وإن الفن مادته هي “الصور”، سواء كانت سمعية أم بصرية.

وفي وجهة نظري المتواضعة “هذه تفرقة غير صحيحة بالمرة” – وذلك لأن الأدب يقوم على الصور بقدر ما يقوم على المعاني – بل الصورة في العمل الأدبي هي التي تجعله أدباً في الأساس.

ولعل مثال ذلك “الصورة الشعرية” وهي رسم قوامة الكلمات، فالنص الشعري الذي يخلو من إيحائية وإشارية الصورة يصبح رصاً للكلمات وبالتالي لا يتكون أي انطباع جمالي لدى المتلقي.

فيقول الشاعر الطبيب “إبراهيم ناجي”:

ضحكت لعيني المصابيح التي تعلو رؤوس الليل كالتيجان

ورأيت أنوار المدينة بعدما طال المسير وكلت القدمان

انظروا التصوير هنا.. مشهد متكامل!! هذا هو أساس البلاغة في الشعر والقصة والرواية على السواء – أما من ناحية الفن فهو ليس قاصراً على الصورة المجردة – الخالية من المعاني والدلالات – وإنما مجموعة من المعاني والدلالات المُشكلة تشكيلاً مصوراً، وإذا  كان الفن وحده متكامل البناء تترابط عناصره ومقوماته الداخلية من لون وحجم وخط وكتلة  وفراغ وضوء.. إلى أخره من مكونات وعناصر بصرية.. فالأدب أيضاً بناء متراكب متآلف العناصر  وقد ألهم الأدب على مر التاريخ الفن التشكيلي بالكثير من الأعمال الفنية التي تجلت فيها براعة الفنان ومثال ذلك: ثلاثية نجيب محفوظ “بين القصرين – قصر الشوق – السكرية” والتي استلهم منها العديد من الأعمال التشكيلية، ولعل من أبرز الفنانين الذين استلهموا أعمالهم من روايات الأديب الكبير نجيب محفوظ هو الفنان “جمال قطب” و غيره الكثير.

وكما يضفي  الأدب على الفن التشكيلي من تصورات وأفكار يأتي الفن التشكيلي كذلك بإضافة قيمة جمالية لا تقل على الإطلاق في فتح آفاق أوسع للكتابة، إما عن طريق كتابة رواية قائمة على لوحة تشكيلية أو غيرها.. ومثال ذلك رواية ” شيفرة دافنشي” للروائي الأمريكي “دان براون” والتي كان الأساس الروائي لها مبني على لوحات الفنان الإيطالي “ليوناردو دافنشي” حيث تدور أحداث الرواية في متحف اللوفر بفرنسا.