الجمال والاستطيقا مصطلحان يترددان كثيرا في مجال الفنون، إلا أن بينهما اختلافا كبيرا قد لا يستطيع الكثير من الناس أن يفرق بينهما، عرّف “بومجارتن” لاستطيقا لأول مرة في الفقرة الأخيرة من كتابه “تأملات فلسفية في ماهية الشعر”، حيث عرفها بوصفها علما مستقلا يختص بالتمظهر الحسي. ثم لما أصدر كتابه الأشهر “استيطيقا” حدد المفهوم بوصفه دالا على نظرية الفنون الحرة، ونظرية في المعرفة الدنيا، والمعرفة الحسية الغامضة التي تدور حول الكمال.

وعلى الرغم من قدم هذا التعريف إلا أنه قد يحمل بذور التفكير السليم لما يخص فهمنا للفن والجمال منزها عن أي أغراض أخرى، خاصة أن الفن كان دائما يبجل، وينظر إليه من خـلال أغراضه النفعية والعقـائدية والأخلاقية، إلا أن نظرية (الفن للفن) التي سادت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أكدت أن الطريقة الوحيدة للنظر إلى الفن قد تكون من خلال ما يسمى بالإدراك الاستطيقي. ولما واجهت دعوات الفن للفن بعض المعارضات، عاب الاشتراكيون على الدعوة محاولة فصلها عن المجتمع.

كما قاد “سارتر” حملة ساخرة على هؤلاء الذين يحصرون قيمة الفن في نواحيه الفنية وينفون أن يكون للفن تأثير أو هدف، وبالتالي رفض الفصل بين الجمال الفني والقيمة. وأقر بأن الفنان الذي يتبع تعاليم دعاة (الفن للفن)، يهتم قبل كل شيء بخلق فن لا يخدم شيئا البتة، فنا محروما من الجذور، وهكذا يضع نفسه على هامش المجتمع، أو بالأحرى يكون فيه بصفة مستهلك محض، وعلى وجه الدقة كطالب متعه. فالفن الخالص والفن الفارغ سواء بسواء، والدعوة إلى مثل هذا الفن ـ

فيما يرى “سارتر” ليست إلا ذريعة تذرع بها نكرات القرن الأخير لأنهم رفضوا أن يسلكوا سبيل التجديد والكشف وأن يبدعوا شيئا له قيمه على الرغم أن قصور دور الفن على إبراز النواحي الجمالية يقلل من فرص خلوده، إذ إن الجمال ليس مطلق فكما يتغير مقياس الحياة بتغيير ظروفها يختلف الإحساس بالجمال من عصر إلى عصر وكذلك من طبقة إلى طبقة.

هذا كله أدى بدوره إلى تساؤلات واستفسارات عديدة تحتاج إلى تحليل وربط بين الفنون والمجتمع، بين الفن والحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع، وهل الفن والأدب يمثلان تعبيرا وتجسيدا عن حالة المجتمع بشكل عام، بمعنى أنه يوجد ارتباطا طرديا بينهما – عندما يكون الفن راقيا والأدب مزدهرا  كلما كان الاقتصاد منتعشا؟ فالمجتمع يؤسس التناغم في الفرد، والجمال يصنع من الفرد.