“أمل جرجس” الأم المثالية بالأقصر.. معاناة وتضحية كللتها الصدفة

“أمل جرجس” الأم المثالية بالأقصر.. معاناة وتضحية كللتها الصدفة حوار الأم المثالية بالأقصر مع محرر الأقصر بلدنا - خاص الأقصر بلدنا

لم تكن أمل جرجس تتخيل حينما رن هاتفها، صباح اليوم الاثنين، أنها ستتلقى خبر اختيارها كأم مثالية بعد رحلة عناء استمرت لأكثر من 15 عامًا.

رحلة كفاح

تخرجت أمل جرجس مسعد، ابنة مركز أرمنت الوابرات غرب الأقصر والبالغة من العمر 52 عامًا، من كلية التجارة قسم إدارة الأعمال الخارجية، نشأت في أسرة صغيرة مكونة من 6 إخوة والأب والأم.

الأم المثالية بالأقصر – تصوير حجاج مرتضى

تلقت أمل صدمتها الأولى قبل أن تكمل عقدها العشرين، وشاء القدر أن يرحل والدها وهو الداعم الأكبر لها في مسيرتها، لكنها لم تستلم للظروف وأصرت بدعم أمها على استكمال دراستها الجامعية على أمل أن تحقق حلم والديها بأن تصبح محاسبة مالية بإحدى الشركات الأجنبية.

تزوجت أمل من عبدالله الجندي، الشاب الذي سرق قلبها من أول لقاء جمعهما لتعلن لوالدتها أنها موافقة أن تصبح زوجته الأبدية.

تعلقت أمل بـ “عبدالله” ونشأت بينهما قصة حب وتمنت أن ترزق بأطفال بطباع مماثله لأبيهم من حيث الهدوء والثقافة والحكمة التي كانت تعطيه هيبة صعب أن تراها في من هم بعمره وكان وقتها لم يتخطى الـ35 عامًا.

حقق الله المنى ورزق الزوجين بثلاثة أطفال شيري ومارك وجورج، كانت الأحلام تزداد بينها وبين زوجها وقررا أن يخوضا عدة تجارب في المشروعات الصغيرة ليؤمنا حياة أطفالهما، لكن الحلم لم يصل لنور الصبيحة حتى تعب عبدالله في إحدى الليالي وبعد زواجهم بسبع سنوات فقط وعند الذهاب للطبيب كان الخبر الذي توقفت عنده الأحلام وجاء الواقع كالكابوس المؤلم والمخيف.

الأم المثالية بالأقصر – تصوير حجاج مرتضى

تقول أمل: لم أحزن في حياتي كهذا اليوم، فالطبيب أخبرني أن زوجي يعاني من ورم في المخ، وأن الأمل ضعيف للغاية، عندها توقف قلبي لم أتماسك وانهرت حتى دخلت في نوبة بكاء هستيري.

دخل الزوج لإجراء عملية جراحية لإزالة الورم، كُللت بالنجاح وعاد الأمل ليظهر من جديد.

بلغت المعاناة ذروتها في حياة أمل بعد عامين من العملية، حينما أعلن الأطباء في مطلع سنة 2000 عودة المرض للزوج وتحوله لسرطان فتاك انتشر بكافة أجزاء المخ ووصل لجزء من المخيخ ليحيا في معاناة حتى وافته المنية في 2004 لتبقى أمل وحيدة برفقة أولادها الثلاثة.

بعد الوفاة اضطرت أمل للبحث عن عمل لتعول به أبنائها الثلاثة، وكانت مدرسة السلام للغات المقر، ولم تقف عند هذا بل أصرت على استكمال حلم زوجها في المشروعات الصغيرة وكان أبرزها السجاد والتريكو والأعمال اليدوية.

الأم المثالية بالأقصر – تصوير حجاج مرتضى

15 عامًا من الكفاح نجحت خلالها أمل في أن تصل بأبنائها لمناص التعليم الجامعي العالي، فحصدت شيري شهادتها من كلية الألسن، وتخرج جورج من كلية التجارة، ونجح مارك في دخول كلية الهندسة التي كان يحلم بها والده في صغره.

تحسنت الأحوال يومًا تلو الآخر، وازداد الأمل حينما رأت الأم ثمار ما زرعته وشعرت أنها عوضت أبنائها غياب أبيهم وكانت الأب والأم لهم، وبعدما ألحقتهم بالجامعة وتخرج اثنين منهم قررت أن تتوسع في مشروعاتها اليدوية.

قصة تقدمها للمسابقة

بلغت الأم المكافحة عامها الـ52، واقترحت عليها صديقتها أن تتقدم لمسابقة الأم المثالية، تروي: قلت لها وهل سأكون أنا؟ هناك الملايين ممن يستحقون اللقب، وعدلت عن الفكرة.

استمرت الصديقة في محاولة الاقناع، لكن مستند ناقص بين الأوراق المطلوبة منع أمل من استكمال التقديم هو “القيد العائلي” المتوقف استخراجه بسبب خطأ في اسم الأم.

الأم المثالية بالأقصر – تصوير حجاج مرتضى

وقبل غلق باب التقديم بيوم واحد راودت أمل رغبة في المحاولة، تقول: ذهبت لموظف السجل المدني وأخبرته أني أنوي الترشح لمسابقة الأم المثالية وأن هناك خطأ في اسم والدتي يمنعني من استخراج القيد العائلي لاستكمال الأوراق، وإذا بالضابط يخبرني أن هناك مخرج وهي ورقة صغيرة من السجل تؤكد أن هناك مانع لاستخراج القيد بسبب خطأ غير مقصود في الاسم، وبالفعل حصلت على الورقة وتقدمت للمسابقة.

الأم المثالية بالأقصر – تصوير حجاج مرتضى

وفي صباح اليوم الاثنين رن جرس الهاتف وذهبت أمل لترى من المتصل ظنًا منها أنها والدتها تخبرها بموعد قدومها لقريتها برفقة أبنائها، لكن المتصل كان من وزارة التضامن الاجتماعي يهنأها لحصولها على المركز الثاني في مسابقة الأم المثالية على مستوى الجمهورية.

لم تصدق أمل ما سمعته حتى ظنت أنها الثانية على المحافظة، والتكريم يأتي للحاصلين على المركز الأول فقط، حتى أكد عليها مسؤول التضامن أنها الثانية على مستوى الجمهورية وأنها ستكرم من قبل الرئيس.

فرحة غامرة اجتاحت أرجاء منزلها، وهرولت أمل لتخبر أبنائها وهي لا تصدق أن القدر سيبتسم لها أخيرًا لتتوج بثمرة كفاح كان سمادها العناء والمشقة لأكثر من 15 عامًا.

تقول الأم المثالية للأقصر: لم أصدق أذناي حتى أنني اتصلت أكثر من مرة للتأكد من الخبر، أخبرت كل صديقاتي وأسرتي وأبنائي جميعنا يشعر بالفخر ولم أتخيل أن أحفادي سيتداولون قصة كفاحي ليفتخروا بي.

الأم المثالية بالأقصر – تصوير حجاج مرتضى

تتشوق أمل لرؤية الرئيس عبدالفتاح السيسي، وتقول كان حلم أن أراه أنتظره بفارغ الصبر، سأخبره عند لقائي الأول به أنني أدعوا الله دومًا له بالنصر وأننا دائمًا نسانده لرفعة الوطن.

ورغم اختيارها وفوزها باللقب لا تزال أمل تؤكد بتواضع أن الصعيد زاخر بآلاف السيدات لهن قصص كفاح أصعب وأمر من قصتها، ربما لم يتقدموا للمسابقة ولا يعنيهم التكريم، فهم علامة بارزة في التحمل والصبر لا تجد لهن مثيل ولا في كل دول العالم.

وتبعث الأم المكافحة برسالة لكل أم عانت بسبب فقدان عائلها: لا تتوقفي عن الحلم تشبثي بالأمل والسعي، فرب الكون هو أكبر العائلين للأرامل والضعفاء فنحن به أقوياء.

الوسوم