“تراثها التاريخي” و”اعتبارها الخطوة الأولى في التعليم”.. سببا بقاء كتاتيب الأقصر

“تراثها التاريخي” و”اعتبارها الخطوة الأولى في التعليم”.. سببا بقاء كتاتيب الأقصر جانب من أحد كتاتيب الأقصر - تصوير: إيمان محمد

 

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

تحظى “كتاتيب” تحفيظ القرآن بمحافظة الأقصر باهتمام خاص من مواطني المحافظة، والذي ينعكس في مئات الكتاتيب التي تضمها قرى المحافظة، وفي مدنها أيضا التي تستبدل لفظ “الكُتّاب” بلفظ “المقرئة”، التي تقدم دروسا مسائية داخل المساجد المختلفة.

استطاعت الكتاتيب، رغم مرور الأعوام وتحديات الزمن، الحفاظ على هويتها ودورها التاريخي، حيث ساهمت في خروج عدد من القراء المشهورين الذين يشار لهم بالبنان، وأشهر القرى التي ساهمت في ذلك، هي قرية المراعزة بأرمنت، والتي أخرجت قيثارة السماء وصوت مكة، الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، وقرية الرزيقات التي أنجبت الشيخ أحمد الرزيقي، أمين عام نقابة القراء الأسبق، وقرية الضبعية التي أخرجت الشيخ محمد عبد العليم الضبعاوي، كما فاز أبناء قرى أخرى بالمحافظة في مسابقات عالمية ومسابقات الأوقاف على مستوى الجمهورية، بفضل حفظهم للقرآن في كتاتيب قراهم على مدار العقود الماضية، ومازالت الكتاتيب تقوم بدورها في إخراج جيل مميز من حفظة القرآن الكريم.

“الأقصر بلدنا” ترصد أسباب بقاء الكتاتيب والتغيرات التي حلت بها، وفي هذا السياق يقول الشيخ سعيد عبد الناصر، وهو من محفظي القرآن بقرية العشي منذ 15 عاما، أن الأقصر من أكثر المحافظات المصرية اهتماما بالكتاتيب، حيث يحرص غالبية الآباء على إلحاق أبنائهم بهذه الكتاتيب، ويعتبرونها الخطوة الأولى لطلاب العلم، لذلك فإن محفظي القرآن يحظون بمكانة مرموقة بالمجتمع الأقصري،

ويشير إلى أن الكتاتيب في قرى ونجوع الأقصر لا تزال تتمتع بالكثير من طابعها القديم حتى الآن، برغم اختفاء بعض وسائل التعليم التي كانت مرتبطة بالكتاتيب منذ عشرات السنين مثل الأحبار والألواح المعدنية التي كان يكتب عليها بالحبر الأسود وتساعد في تحسين ”الخط العربي للطلاب” وكذلك اختفت ” الفلكة” وهي أحد أدوات العقاب والتي كانت تمثل رعبا وعقابا شديدا للمتخاذلين من الأطفال، واستبدل بها عصا تقليدية لتهذيب المشاغبين، كما اختفى دور “العريف” تماما، والعريف هو مساعد الشيخ الذي كان ينوب عنه في غيابـه ويقـوم بإدارة الكُتاب ويجمع الأجرة من التلاميذ التي كانت تسمى “الجراية” وكانت تدفع شهرياً أو سنوياً، حسب الاتفاق الشفهي المبرم بين ولى أمر الطفل والشيخ، وكانت عبارة عن حبوب وغلال وأرطال من اللحم إلا أن أجرة محفظ القرآن خلال الأعوام الماضية أصبحت نقودا تدفع شهريا وغالبا تكون أجور رمزية للغاية حيث أن تحفيظ القرآن يكون ابتغاء مرضاة الله في المقام الأول.

ويقول محمود الشافعي، الذي كان أحد مرتادي الكتاتيب، وخريج كلية الدراسات الإسلامية جامعة الأزهر، إن كتاتيب الأقصر كانت سببا مباشرا في نجاح عدد كبير من مشاهير التلاوة القرآنية في مصر، مشيرا إلى أن حبه للقرآن ولمشاهير القراء منذ صغره جعله يقوم بتقليدهم، حتى تحولت هذه الهواية إلى مهنة، موضحاً أنه يقوم بإحياء الحفلات القرآنية في المناسبات الدينية، مشيرا إلى أنه مثل الكثير من أبناء القرية، حفظ القرآن في سن صغيرة وبالتحديد قبل أن يبلغ 11 عاما، ونجح في ختمه مرات عديدة.

ويوضح الباحث محمد عبد اللطيف الصغير، مؤلف كتاب “دولة التلاوة القرآنية في مصر”، أن قرية “الشيخ سلطان” تعد من أهم قرى “الكتاتيب” بالأقصر، ويبلغ عدد سكانها نحو 6 آلاف نسمة تتبع إداريا مدينة الطود التاريخية بجنوب الأقصر، وهى المدينة التى عرفت قديما بمدينة الإله منتو “إله الحرب” وتبعد عن مدينة الأقصر بنحو 25 كيلو مترا، وأطلق عليها القرية المباركة أو “قرية أهل القرآن” نظراً لوجود عدد هائل من أبنائها يحفظون القرآن ويحظون بمكانة مرموقة بين أبناء المحافظة، كما أن القرية بها عدد كبير من الكتاتيب التي تتمتع بالكثير من طابعها القديم حتى الآن، ولكن بعض الكتاتيب تغيرت نسبيا خلال السنوات الماضية، إذ حرص شيوخ الكتاتيب على تطوير أساليب التلقين والتعليم فيها، مع المحافظة في نفس الوقت على خصوصيتها وثوابتها.

وأضاف الصغير، أن الكُتاب ظهر في المحافظة في القرون الماضية مع دخول الإسلام لمصر، وتعد الكتاتيب من أقدم المراكز التعليمية عند المسلمين، حيث بدأت في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان وقتها دخول الكتاتيب إلزاميا في المجتمع المسلم، وكان المسلمون يهتمون بالكتاتيب، ووصل الأمر أن كتاب الضحاك بن مزاحم عام 105 هـ، كان يضم نحو ثلاثة آلاف طالب، وقيل بأن العرب عرفوها قبل الإسلام، ولكن على نطاق محدود جدًا، وكانت مكانة الكتاتيب في القرون الهجرية الأولى عالية الشأن؛ وكانت الكتاتيب قديما بمثابة المدارس الابتدائية التى نراها اليوم حيث كان الهدف من إنشائها قديما وحتى اليوم هو حفظ القرآن الكريم وتعليم مبادئ اللغة العربية والقراءة والكتابة للصغار.

وتقول ريحانة الوليد، محفظة قرآن في مقرأة ، “إنه في السنوات الأخيرة برزت ظاهرة الكتاتيب النسائية التي تقوم عليها فتيات في عمر الزهور، حفظن القرآن قبل الخامسة عشرة من عمرهن ويقمن بتحفيظ أمهاتهن وأقاربهن ما لم يتمكن من حفظه في الصغر”، مشيرة إلى أن للكتاتيب دورا كبيرا في تكوين شخصية الطفل الدينية وتعليمه المتون والأحكام الخاصة بالقرآن، حيث يقوم شيخ الكتاب أو المقرأة بتنظيم حلقات للعلم ويعلم الأطفال الأمور الأساسية في الدين مثل كيفية الوضوء والطهارة والصلاة الصحيحة باستخدام الوسائل التعليمة الحديثة وكذلك أخلاقيات التعامل مع المجتمع والأم والأب والجيران.

من جانبه، يقول الشيخ محمد صالح عبد الرحمن وكيل وزارة الأوقاف بالأقصر، أن كتاتيب تحفيظ القرآن علامة مميزة ف مختلف أنحاء قرى ونجوع المحافظة، مضيفا أنه يجري مراجعة كافة اعتمادات الكتاتيب في كل مدينة وقرية، والتأكد من قوة وقدرة المحفظ في التلاوة لتلقين الأطفال القرآن بصورة صحيحة للغاية، وكذلك إحكام الرقابة عليها للتأكد من عدم دخول أي توجهات سياسية للكُتاب الذي سيخرج أجيالا من حفظة القرآن الكريم، مشددا على أن المديرية تكرم في كافة فعالياتها حفظة القرآن الكريم؛ لحث جميع الأطفال على حفظ القرآن، وكرمت عددا من الأطفال والفتيات في احتفالية رأس السنة الهجرية، مؤكدا على قيام المديرية بمتابعتها وتنظيم عملها للتأكد من توصيل كافة المعلومات الصحيحة للنشء.

الوسوم